مركز المعرفة
دراسات

أوضاع وتحديات العاملات السوريات اللاجئات في القطاع الزراعي في لبنان: وثيقة إيجاز شاملة

يكشف هذا التقرير عن الأوضاع المتردية والتحديات المتعددة الأوجه التي تواجهها اللاجئات السوريات العاملات في القطاع الزراعي اللبناني، بناءً على دراسة أجريت بين أبريل 2024 وأبريل 2025. يعمل هذا الجزء الحيوي من القوة العاملة ضمن نظام يتسم بالاستغلال القانوني والاجتماعي والاقتصادي، حيث تفتقر 90% من العمالة الزراعية إلى الحماية الاجتماعية. تبرز الدراسة نظام "الشاويش" كأداة للهيمنة والعبودية الحديثة، في ظل فجوة أجور جندرية واضحة وظروف سكنية غير إنسانية. تتطلب هذه الأزمة تدخلًا فوريًا ومنسقًا يركز على تصحيح الأجور، وتوفير الحماية القانونية، وتأمين الخدمات الصحية والتعليمية لكسر حلقة الفقر والاستغلال.

1. سياق القطاع الزراعي في لبنان

يتسم القطاع الزراعي اللبناني بهيكلية غير رسمية ونظام زبائني يعيق جهود الإصلاح:

  • هيمنة العمل اللانظامي:  يعمل حوالي 90% من اللبنانيين وكافة السوريين في الزراعة بشكل غير رسمي، مما يؤدي إلى غياب كامل للتغطية الصحية أو معاشات التقاعد.
  • الاعتماد على العمالة الرخيصة:  يعتمد القطاع بشكل أساسي على العمالة المهاجرة والمؤقتة، حيث يمثل السوريون حوالي 85% من العمال الزراعيين المأجورين.
  • الوضع القانوني الهش:  يمتلك 22% فقط من اللاجئين السوريين (فوق 15 عاماً) إقامة قانونية، مما يدفع الأغلبية إلى العمل المتخفي ويحد من قدراتهم على المطالبة بحقوقهم.
  • توزيع الأراضي:  يسيطر أعلى 10% من ملاك الأراضي على ثلثي الأراضي الزراعية، بينما يظل غالبية العمال الزراعيين بلا أرض.

 

2. التحديات الرئيسية للعاملات اللاجئات

أ. الممارسات العمالية الاستغلالية وفجوة الأجور

تعمل النساء في وظائف شاقة جسدياً لساعات طويلة تصل أحياناً إلى 15 ساعة يومياً، مقابل أجور زهيدة لا تغطي الاحتياجات الأساسية. وحسب المصادر، بلغ متوسط الأجر اليومي للنساء 600 ألف ليرة لبنانية (أي ما يقارب ال7 دولارات أميركية) مقابل 6.7 ساعات عمل، أما الرجال فيتقاضون 900 ألف ليرة لبنانية في اليوم، بفارق ثلث الأجر تقريبًا في اليوم، أأو الربع في الساعة. أما أصحاب العمل فهم يفضلون استخدام النساء بسبب فرق الأجر، والزيادة في "الانضباط"، كما يقل تفضيل الرجال في بعض الأعمال اليدوية.

ب. نظام "الشاويش" والارتهان بالديون

يلعب الشاويش دور الوسيط غير الرسمي الذي يسيطر على كافة جوانب حياة العاملات، حيث يقتطع مبالغ كبيرة من الأجور؛ فمن أصل 100,000 ليرة موعودة للساعة، قد لا تحصل العاملة إلا على 40,000 أو 50,000 ليرة. كما يقوم بعض "الشاويشية" بدفع تكاليف تهريب العائلات ثم استخدام هذا الدين لمحاصرتهم في علاقات عمل قسرية، ويسيطرون على توزيع المساعدات، والنقل، وحتى اتخاذ القرارات الشخصية للعائلات داخل المخيمات.

ج. ظروف السكن والبيئة المعيشية

يعيش 94 من أصل 126 من المشاركات في الدراسة في خيام داخل مستوطنات غير رسمية. وتعاني الخيام من تسرب مياه الصرف الصحي، والفيضانات الشتوية، وغياب الأمن. أما من يعيش في بيوت خرسانية فيواجهن إيجارات تصل إلى 200 دولار شهرياً، مع زيادات عشوائية من قبل الملاك.

 3. المخاطر الصحية والسلامة المهنية

تواجه العاملات مخاطر جسيمة دون أي شبكة أمان صحي. حيث يتعرضن للمواد الكيميائية، خاصة وأن استخدام المبيدات في لبنان يتجاوز المعدل العالمي بثلاثة أضعاف (6.5 كجم/هكتار مقابل 2.26 كجم عالمياً)، مما يسبب أمراضاً تنفسية وجلدية مزمنة. وقد أبلغت 20% من المشاركات عن تعرضهن لإصابات عمل، وغالباً ما يتنصل الشاويش من المسؤولية، وتُعالج الإصابات بضمادات بدائية.

هذا وتعاني المخيمات من ندرة المياه النظيفة، مما أدى لانتشار الجرب، والقمل، والأمراض الكبدية.

وقد وثقت الشهادات حالات من الانهيار النفسي والاكتئاب نتيجة الفقر المزمن والخوف من الاعتقال أو الترحيل.

 4. العنف والتمييز والحماية القانونية

تتعرض العاملات للتحرش الجنسي والعنف الجسدي في أماكن العمل والمنزل والمساحات العامة، لكن الخوف من الترحيل أو "الفضيحة" يمنعهن من التبليغ. وقد أبلغت ربع المشاركات تعرضهن للتمييز بناءً على الجنسية، واللهجة، والمظهر الجسدي، والوضع الاقتصادي والاجتماعي.

تفتقر العاملات لآليات رسمية للشكاوى، وتستبعد القوانين اللبنانية العمال الزراعيين من معظم حمايات قانون العمل.

 5. تعليم الأطفال وعمالة القصر

يمثل حرمان الأطفال من التعليم وتوجههم للعمل في المزارع تحدياً وجودياً، وقد سجلت دراسة سابقة 81 حالة وفاة بين أطفال سوريين نتيجة ظروف العمل الزراعي من أصل 3000 طفل شملهم المسح، حيث يبدأ الأطفال العمل في الحقول من سن الثامنة، ويُستغلون للقيام بأعمال شاقة مقابل أجور متدنية جداً. ومن أهم عوائق التعليم  نقص الدخل، ورفض المدارس للأطفال بسبب السن أو نقص الأوراق القانونية، وارتفاع تكاليف النقل.

 6. تأثير النزاع المسلح (عدوان 2023/2024)

أدى العدوان الإسرائيلي الأخير إلى تفاقم الأوضاع الهشة أصلاً، فقد اضطرت عدة عائلات للنزوح إلى مرائب أو خيام جديدة، وفقدت بيوتها ومصادر رزقها. وأفادت مشاركات بالاعتماد الكامل على الديون لتأمين الاحتياجات الأساسية خلال العدوان. وذكرت 29 من أصل 30 مشاركة في متابعة ما بعد الحرب أنهن لم يتلقين أي دعم من المنظمات غير الحكومية خلال النزوح.

 7. التوصيات المقترحة لتحسين الأوضاع

بناءً على نتائج الدراسة والمقابلات مع أصحاب المصلحة، يوصى بالآتي:

أولاً: التدخلات الاقتصادية والقانونية

  • تصحيح الأجور:  رفع الأجور اليومية ليكون الحد الأدنى ما بين 10 إلى 15 دولاراً لضمان العيش الكريم.
  • تسوية الأوضاع القانونية:  تسهيل الحصول على أوراق الإقامة القانونية لتقليل التعرض للابتزاز والتهديد بالترحيل.
  • إصلاح نظام الشغل:  دعم المبادرات التي تتجاوز نظام الشاويش الاستغلالي من خلال التوظيف المباشر أو النماذج التعاونية.

ثانياً: الخدمات الأساسية والحماية

  • الرعاية الصحية:  توفير خدمات صحية شاملة وبأسعار معقولة، وتوفير معدات السلامة (كمامات وقفازات) في الحقول.
  • تحسين السكن:  تأمين مياه نظيفة، وصرف صحي، وملاجئ آمنة ومقاومة للظروف المناخية.
  • دعم التعليم:  دمج برامج التعليم مع جهود تخفيف الفقر، وتوفير برامج محو الأمية الأساسية للنساء.

ثالثاً: التمكين الهيكلي والاجتماعي

  • تغيير النموذج الإغاثي:  الانتقال من نموذج "الضحية والمنقذ" إلى إشراك اللاجئات كخبيرات في تصميم الحلول المحلية.
  • الحق في التنظيم:  تفعيل حق العمال الزراعيين، بغض النظر عن الجنسية، في تشكيل نقابات والانضمام إلى التعاونيات.
  • المساءلة:  يجب على المجتمع الدولي والمنظمات غير الحكومية ضمان محاسبة الجناة في حالات الانتهاكات، وعدم الاكتفاء بالتوثيق.
  • التكيف مع المناخ:  دعم ممارسات الزراعة المقاومة للتغير المناخي لضمان استقرار دخل العاملات.

 -