مشروع قانون تنظيم تجارة البذور في لبنان
تحميل الملفات والمراجع
رغم تاريخه الذي يعود إلى بدايات اعتماد الإنسان على الزراعة كجزء من الهلال الخصيب، يقف التراث الزراعي اللبناني اليوم أمام تهديد وجودي يتمثّل في مشروع قانون تنظيم البذور والشتول ومواد الإكثار. ففي ظل أزمة اقتصادية خانقة وانعدام حاد للأمن الغذائي يطال ما يقرب من 1.17 مليون شخص، يأتي مشروع قانون تنظيم تجارة البذور والشتول ومواد الإكثار المقترح ليفاقم الوضع بدلاً من معالجته. إن هذا القانون، الذي صيغ بالتعاون مع جهات أجنبية ودون استشارة المزارعين، يمثل تحولاً جذرياً يهدف إلى تسليع البذور وخصخصتها، مما يهدد بتفكيك آلاف السنين من التقاليد الزراعية وإرساء نظام يُدخل المزارعين في حلقة من "عبودية البذور"، ويحوّل الموروث الحيوي الوطني إلى سلعة خاضعة للاحتكار.
الاعتراضات الجوهرية على مشروع القانون
يقدم مشروع القانون، بصيغته الحالية، إطارًا قانونيًا يركز على المصالح التجارية على حساب السيادة الغذائية والتنوع البيولوجي. وتتركز الاعتراضات الرئيسية التي قدمتها الحركة الزراعية وجهات المجتمع المدني على المحاور التالية:
تهميش البذور البلدية وحقوق المزارعين
يمنح القانون الأولوية لـ "التنظيم التجاري" (المادة الأولى) بدلاً من حماية حقوق المزارعين في حفظ وتبادل بذورهم. كما يفرض التسجيل الإلزامي كشرط للتداول، مما يجرّم الممارسات التقليدية ويضع أعباء مالية وبيروقراطية لا يستطيع صغار المزارعين تحملها.
فرض معايير تجارية إقصائية
يربط القانون تسجيل الأصناف بمعايير "التميز والتجانس والاستقرار" (DUS)، وهي معايير مصممة للبذور الصناعية والهجينة التي تنتجها الشركات الكبرى—والتي تسيطر على أكثر من 60% من سوق البذور العالمي—وتؤدي إلى إقصاء الأصناف البلدية التي تتميز بتنوعها الوراثي الطبيعي. هذا التوجه يمهد الطريق لفرض حقوق الملكية الفكرية على البذور، مما يكرّس الاحتكار.
غياب حظر الكائنات المعدلة وراثيًا
يفتقر مشروع القانون إلى أي تعريف واضح أو حظر صريح لاستيراد أو إنتاج الكائنات المعدلة وراثيًا (GMOs)، مما يمثل فجوة تشريعية خطيرة تهدد السلامة البيولوجية والبيئية في لبنان.
انعدام التمثيل والشفافية
تقصي "لجنة البذور" المقترحة (المادة الرابعة) بشكل حاسم المزارعين ومنظمات المجتمع المدني من عملية صنع القرار، مما يفتح الباب أمام هيمنة المصالح التجارية. كما تمنح بنود السرية المفرطة (المادة 13) حصانة للشركات وتتعارض مع مبدأ الشفافية والحق في الحصول على المعلومات.
الخلاصة والدعوة إلى العمل
إن مشروع القانون بصيغته الحالية لا يمثل أداة لتطوير القطاع الزراعي، بل آلية لفرض نموذج زراعي صناعي يخدم مصالح الشركات على حساب المصلحة الوطنية. إنه يهدد بتدمير التراث البيولوجي، وتعميق تبعية المزارعين، وتقويض الأمن الغذائي والصحي للبلاد.
بناءً عليه، من الضروري تعليق مسار تشريع هذا القانون بشكل فوري، والدعوة إلى تشكيل آلية وطنية جديدة لوضع السياسات الزراعية، تضمن تمثيلاً إلزامياً وفاعلاً ووازناً لجميع الأطراف المعنية، وعلى رأسها منظمات صغار المزارعين والفلاحين والعمال الزراعيين، بما في ذلك النساء، إلى جانب الخبراء المستقلين ومنظمات المجتمع المدني.
تتطلب صياغة قانون عادل ومستدام للبذور إطاراً بديلاً متجذراً في مبادئ السيادة الغذائية، يكرّس حماية البذور البلدية كمشاع عام، ويحظر الكائنات المعدلة وراثياً، ويدعم المزارعين كحماة للتنوع البيولوجي وأساس الأمن الغذائي في لبنان.
لذا ندعوكم إلى إعادة النظر في هذا المشروع يليه تشكيل آلية وطنية جديدة لوضع السياسات الزراعية في لبنان، تضمن تمثيلًا إلزاميًا وفاعلًا لصغار المزارعين، والعمال الزراعيين، والنساء، وشبكات السيادة الغذائية، وتهدف لصياغة قانون يحمي التنوع البيولوجي، ويكرّس حقوق المزارعين، ويعزز السيادة الغذائية للبنان بدلاً من تسليمها لمصالح الشركات الأجنبية.